..... ( قُلْ : آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ )

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

..... ( قُلْ : آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ )

مُساهمة من طرف ابن تونس البار في الخميس أبريل 09, 2009 1:38 am

بسم الله الرحمن الرحيم

( قُلْ : آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ )

عَنْ سُفيانَ بن عبدِ اللهِ - رضي الله عنه - ، قالَ : قُلتُ : يا رَسولَ اللهِ ، قُلْ لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عَنْهُ أحداً غَيرَكَ ، قال : (( قُلْ : آمَنْتُ باللهِ ، ثمَّ استقِمْ )) رواهُ مُسلم .

هذا الحديث خرَّجه مسلم في " صحيحه " 1/47 ( 38 ) ( 62 ) . من رواية هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن سفيان وسفيان : هو ابنُ عبد الله الثقفي الطائفي له صحبة ، وكان عاملاً لعمرَ بنِ الخطَّاب على الطائف .

وقد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوهٍ أخَرَى بزيادات ، فخرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذى من رواية الزهرى

هذا منتزع من قوله - عز وجل - : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ } ((فصلت : 30)) ،

وقوله - عز وجل - : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } ((الأحقاف : 13-14)) .

وقال أبو بكر الصديق في تفسير { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال: لم يشركُوا بالله شيئاً. وعنه قال : لم يلتفتوا إلى إله غيره . وعنه قال : ثم استقاموا على أنَّ الله رَبُّهم

وعن ابن عباس قال : هذه أرخصُ آيةٍ في كتاب الله { قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } على شهادة أنْ لا إله إلا الله

ورُوي عن عمر بن الخطاب أنَّه قرأ هذه الآية على المنبر { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } فقال : لم يَروغوا رَوَغَانَ الثَّعلب .

وروى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى { ثُمَّ اسْتَقَامُوا } قال : استقاموا على أداءِ فرائضه .

وعن أبي العالية قال : ثمَّ أخلصوا له الدينَ والعملَ .

وعن قتادة قال : استقاموا على طاعة الله ،

وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : اللهمَّ أنت ربنا فارزقنا الاستقامة .

ولعل من قال : إنَّ المرادَ الاستقامة على التوحيد إنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النار ،

وهو تحقيق معنى لا إله إلا الله ،

فإنَّ الإله هو الذي يُطاعُ ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلاً ودعاءً ،

والمعاصي كلُّها قادحة في هذا التوحيد ؛ لأنَّها إجابة لداعي الهوى وهو الشيطان ،

قال الله - عز وجل - : { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ } ((الجاثية : 23))

قالَ الحسن وغيره : هوَ الذي لا يهوى شيئاً إلاَّ ركبه

، فهذا يُنافي الاستقامة على التوحيد .

وأما على رواية من روى : (( قُلْ : آمنْتُ بالله )) فالمعنى أظهر ؛ لأنَّ الإيمانَ يدخل فيه الأعمالُ الصالحة عند السَّلف ومن تابعهم من أهلِ الحديث

قال ابن تيمية - رحمه الله - : (( وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ، منهم : مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي ، والطبري ، ومن سلك سبيلهم ، فقالوا : الإيمان قول وعمل ، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، مع الإخلاص بالنية الصادقة … )) .

انظر : الفتاوى لابن تيمية 7/206 .

وقال الله - عز وجل -: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } ((هود : 112)).

فأمره أنْ يستقيمَ هوَ ومن تاب معه ، وأنْ لا يُجاوزوا ما أُمِروا به ، وهو الطغيانُ ،

وأخبر أنَّه بصيرٌ بأعمالهم ، مطَّلعٌ عليها ،

وقال تعالى : { فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ } ((الشورى : 15)) .

قال قتادة : أُمِرَ محمد - صلى الله عليه وسلم - أنْ يستقيمَ على أمر الله . وقال الثوري : على القرآن ،

وعن الحسن ، قال : لما نزلت هذه الآية شَمَّرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فما رؤي ضاحكاً.

قال ابن تيمية - رحمه الله - : (( وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر ، منهم : مالك بن أنس ، والليث بن سعد ، وسفيان الثوري ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وداود بن علي ، والطبري ، ومن سلك سبيلهم ، فقالوا : الإيمان قول وعمل ، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب ، وعمل بالجوارح ، مع الإخلاص بالنية الصادقة … )) .

انظر : الفتاوى لابن تيمية 7/206 .

وذكر القُشَيْريُّ وغيره عن بعضهم : أنَّه رأى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في المنام ، فقال له : يا رسولَ الله قلتَ : (( شَيَّبَتني هُودٌ وأخواتُها )) "حديث" ، فما شيَّبك منها ؟ قال : (( قوله{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ } )) .

وقال - عز وجل - : { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } ((فصلت : 6)) .

وقد أمرَ الله تعالى بإقامةِ الدِّين عموماً كما قال : { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } ((الشورى : 13)) ،

وأمر بإقام الصلاة في غير موضعٍ من كتابه ،

كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تلك الآيتين .

والاستقامة : هي سلوكُ الصِّراط المستقيم ، وهو الدِّينُ القيِّم من غير تعريج عنه يَمنةً ولا يَسرةً ، ويشمل ذلك فعلَ الطَّاعات كلّها ، الظاهرة والباطنة ، وتركَ المنهيات كُلِّها كذلك ، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصال الدِّين كُلِّها .

وفي قوله - عز وجل - { فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } إشارةٌ إلى أنَّه لابُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامة المأمور بها ،

فيُجبَرُ ذلك بالاستغفار المقتضي للتَّوبة والرُّجوع إلى الاستقامة ،

فهو كقول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ : (( اتَّقِ الله حيثُما كُنت ، وأتبعِ السَّيِّئةَ الحسنةَ تَمحُها )) ((رواه الترمذى)) .

وقد أخبر النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الناس لن يُطيقوا الاستقامة حق الاستقامة ،

كما خرَّجه الإمام أحمد ، وابن ماجه من حديث ثوبانَ ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم – قال : (( استَقيموا ولن تُحْصوا ، واعلموا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ ، ولا يُحافِظُ على الوضوء إلاَّ مؤمنٌ )) ،

وفي روايةٍ للإمام أحمد : (( سَدِّدوا وقاربوا ، ولا يحافظُ على الوضوء إلاَّ مؤمن )) .

وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال : (( سددوا وقاربوا )).

فالسَّدادُ : هو حقيقةُ الاستقامة ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمال

والمقاصد ، كالذي يرمي إلى غرض ، فيُصيبه ،

وقد أمرَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عليَّاً أنْ يسألَ الله - عز وجل - السَّداد والهدى ، وقال له : (( اذكر بالسَّدادِ تسديدَكَ السَّهْمَ ، وبالهدى هدايَتك الطَّريق )) ((أخرجه أحمد وأبو داود والنسائى)) .

والمقاربة : أنْ يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرض إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسَه ، ولكن بشرط أنْ يكونَ مصمِّماً على قصد السَّداد وإصابة الغرض ، فتكون مقاربتُه عن غير عمدٍ ،

ويدلُّ عليه قولُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديث الحكم بن حزن الكُلَفي : (( أيُّها النَّاس ، إنَّكم لن تعملوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم ، ولكن سدِّدوا وأبشروا )) (( أخرجه أحمد وأبو داود))

والمعني : اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في العمل كلِّه ، لكانوا قد فعلوا ما أُمِرُوا به كُلِّه .

فأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيد ، كما فسر أبو بكر الصِّديق وغيرُه قولَه : { إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا } ((الأحقاف : 13)) بأنَّهم لم يلتفتوا إلى غيره ،

فمتى استقام القلبُ على معرفةِ الله ، وعلى خشيته ، وإجلاله ، ومهابته ، ومحبته ، وإرادته ، ورجائه ، ودعائه ، والتوكُّلِ عليه ، والإعراض عما سواه ، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعته ،

فإنَّ القلبَ هو ملكُ الأعضاء ، وهي جنودهُ ، فإذا استقامَ الملك ، استقامت جنودُه ورعاياه ،

هذا والله تعالى أجل وأكرم وأعلم وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
avatar
ابن تونس البار

عدد المساهمات : 58
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 08/04/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى